الأحد، 4 يناير، 2015

قدم شهادة شخصية كأحد المبدعين البحرينيين… فهد حسين في تجربة «الكتابة الناقصة» ونرجسية الكاتب



الكويت ـ “القدس العربي»: قدم الناقد البحريني فهد حسين شهادة شخصية حول تجربته الإبداعية ضمن موسم “شهادات إبداعية في التجارب البحرينية»، تنظمها “وجود» للثقافة والإبداع وبالتعاون مع “دار فراديس» للنشر.
حيث استهل في البدء كلمته عن فعل الكتابة قائلا: “لا أتصور أحدًا يمارس فعل الكتابة، ويسعى دائمًا ليكون له موطئ قدم في المجال الذي يشتغل فيه وعليه، ولم يتشرب من تلك الحياة الاجتماعية بشكل أو بآخر، أو أنه شرب من معين تلك المياه المتدفقة التي نشأ بقربها، وعرف بعضًا من جغرافيتها المكانية والثقافية والمعرفية، غير أن هناك من يدوّن تجربته وكأنه الإنسان المظلوم والمحروم، وهو صاحب الفضل على نفسه وعلى الآخرين، وأنه لم يتأثر بغيره، وأتصور هذا بعض ما يكشف عن طبيعة الذات والهواجس الكامنة لدى الكاتب، وفي مجمل هذا هناك قواسم مشتركة بين كل الناس كتابًا كانوا أو غير كتاب، فالجميع تعلم بشكل أو بآخر، ذهبنا إلى المطوع أو إلى التعليم الأهلي ثم إلى التعليم النظامي الحكومي أو الخاص بنوعيه الأجنبي والأهلي، وتتلمذ بعضنا عبر المنابر الحسينية، أو عبر أئمة المساجد، وجميعنا تعلم بالطريقة العفوية، وتلقى المعرفة بطرق مختلفة، وأساليب متنوعة.
وعلى الرغم من الفروقات والتباينات في تلقي التعليم أو تلقي الرعاية الاجتماعية والأسرية، التي تأخذك إلى الرعاية التعليمية، فإن هذا لا يلغي أبدًا محاولة من هم في موقع المسؤولية عنك، من تقديم الدعم بما لديهم من مقدرة مالية واجتماعية ونفسية، حيث هناك من يرى أنه كان مدركًا تفاصيل الحياة مبكرًا، وألا أحد له الفضل أو الدور في ما هو فيه الآن، وكأنه يتمثّل قول المتنبي:


ما بقومي شرفت بل شرفوا بي
وبنفسي فخرت لا بجدودي


وحين يشتدّ عوده ويصبح قادرًا على الكتابة والحضور الثقافي يؤكد قول المتنبي مرة أخرى:


أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم


هناك عوامل ربما يشترك فيها الجميع وأنا واحد من هذا الجميع في وجود أرضية مشتركة أولى لإرهاصات الكتابة، وهناك مسوغات للكتابة، وهناك أيضًا مجال الكتابة، ومفهوم الكتابة، والرؤية تجاه العالم من خلال الكتابة. وهذا ما أحاول أن أقف عنده، وسأستخدم هنا ضمير المتكلم.


الأرضية الأولى لأرهاصات الكتابة


وتطرق لجوانب شخصية حزينة في سيرته الذاتية بقوله: أنا من الذين لم يتربوا في كنف الوالدين الأب والأم، إنما تربيتي كانت على يد أم مات زوجها وأنا في الثالثة من العمر أو أقل بقليل، وعاشت الأم مؤمنة بقضاء الله وقدرة، مؤمنة بدورها الذي حدده إليها القدر بعد وفاة زوجها، أم صغيرة السن لم تتجاوز وقتذاك الثلاثين من عمرها، إذ رفضت الزواج، وفضلت البقاء مع أبنائها وبناتها تعيش على الكفاف وهي تربيهم، من دون الحاجة إلى مد اليد وطلب الحاجة، أو مساعدة الآخرين، مما اضطر اثنين من إخوتي ترك المدرسة، والعمل من أجل لقمة العيش في تلك الفترة التي كانت الناس تتكئ على البساطة والعفوية، وعدم المساهمة في تعقيد الحياة، فظل الأَخوان يعيلان أسرة كاملة وهما شابان يافعان.
وحين صرت في عمر يسمح لي بالتعليم الأهلي، أخذتني أمي إلى المعلم (المطوع) لأتعلم قراءة القرآن مثل بقية أقراني، ولكن للأسف لم أستمر يومًا واحدًا، فأخي الأكبر رفض ذلك معللا بأن المدرسة هي التي ستقوم بتعليمي وليس المطوع، القراءة والكتابة والحساب أيضًا.


معرفة أهمية القراءة


وحول تعرفه على أهمية القراءة أضاف: مما لا شك فيه أن المرء إذا فقد شيئًا مهمًا أو عزيزًا تظهر عليه علامات الحزن والامتعاض، فما بال صبي يمنع من التعليم الأولي العفوي؟ بالتأكيد يصاب بخيبة أمل، لهذا بقيت في البيت وقتًا وزعته بين اللعب بداخله أو بخارجه حتى حان موعد دخولي المدرسة، التي فتحت لي مجالاً أوسع وأفقًا أرحب، وفي الوقت ذاته – وبحكم الظروف المعيشية والاقتصادية – كنت أذهب مع إخوتي أو أبناء خالتي إلى المزارع والنخيل من أجل قطع الحشائش غذاء لتلك الأغنام التي تربيها أمي وقتها.
ولكن هذا لم يمنع أو يشغل ما لدي من رغبة في التعلم التي كنت أستقيها من روافد مختلفة وأنا في هذه السن الصغيرة، أي في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، إذ كنت أتعلم في المدرسة على يد معلمين كنت ولازلت أكن لهم جل الاحترام والتقدير، وأذكر هنا على سبيل المثال في المرحلة الابتدائية: الأساتذة موسى مكي عمران، عبدالله عباس، عباس ربيع، المرحوم أحمد إبراهيم، وفي المرحلة الإعدادية الأساتذة علي الصائغ، ميرزا عمران، ميرزا جمعة، وفي هاتين المرحلتين كنت أستقي المعرفة أيضًا من خلال المكتبة المتنقلة التي كانت تجوب قرى البحرين بسيارة وزارة المعارف آنذاك. أما في الثانوية فتعلمت حب التعليم والرغبة في مواصلة هذا المشوار من الأساتذة: محمد حميد السلمان، السيد رضي، بسام، شاهين.
وأكمل حسين قائلا: هناك سببان دفعاني إلى القراءة والاطلاع، الأول مكتبة الوالد الرجل الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، ولكن بحوزته مكتبة ملأها كتبًا، سمعت عنها، ورأيت عددًا من الكتب موجودا فيها، مثل: كتاب المياسة، وألف ليلة وليلة، والسندباد وسبع البنات، وسألت أمي لم هذه الكتب ووالدي لا يقرأ، فكان ردها أنه يأخذ الكتاب إلى مجلس الحاج محمد بن سرحان ويطلب من الفتية هناك ليقرأوا له وهو مصغ.
أما الثانية فكانت مكتبة أخي فيصل، الذي قرر بعد الثانوية العامة الدراسة في مصر، حيث بنيت علاقة حميمة مع الكتاب، ومنذ تلك اللحظة صار الكتاب صديقًا لا أستطيع مفارقته، فهو معي زمنيًا ومكانيًا، وكما جاء في كتاب “المحاسن والأضداد» للجاحظ عن بعض الحكماء: (الكتب بساتين العلماء – الكتاب جليس لا مؤونة له)، والشيء المفارق أن الكتاب يذكر الشيء الحسن والسيئ من هذا الشيء إلا الكتاب ذكر فقط المحاسن مما يؤكد دور الكلمة المقروءة والمكتوبة. وذكر حسين: أن أول كتاب قرأته استعارة من المكتبة المتنقلة كان بعنوان “الرصاصة لاتزال في جيبي»، أما أول كتاب قرأته من مكتبة أخي وأنا في المرحلة الإعدادية رواية “إني راحلة» للكاتب المصري يوسف السباعي، ورواية “الأم» لمكسيم غوركي كانت أول رواية أقرأها مترجمة حصلت عليها هدية من نادي النويدرات بعد تخرجي من الثانوية العامة عام 1979.
ويبدو ارتباطي بالسرد تبرعم منذ بداية العلاقة بالقراءة، من دون تخطيط أو دراية؛ لأن ما ذكرته هو في مجال السرديات، بل كنت أحرص في تلك الفترة على قراءة العبارات والجمل وبعض الأشعار والحكم التي كانت تدسها مجلة “طبيبك» في متنها وخواتم الموضوعات الطبية والصحية، كما كنت مشدودًا ومنتبهًا للمعلم وهو يتحدث عن قصة “فارس بني حمدان» التي درَسْتها ثم درّسْتها، وقصة “وا إسلاماه»، وأخذني السرد في المرحلة الجامعية لقراءة بعض الأعمال السردية البحرينية، ومعظم روايات كل من حنا مينة، وجبرا إبراهيم جبرا، وعبدالرحمن منيف، واستمر الحال بعد التخرج لأنكب على قراءة الكثير من أعمال نجيب محفوظ، وبعض أعمال عبدالحليم عبدالله، ويوسف إدريس، ويوسف السباعي، وبعض أعمال الكتاب الأجانب، مثل: همنغواي، وتولستوي، ومكسيم غوركي، وفكتور هيجو، ودكنز وغيرهم.


مسوغات الكتابة ومجالها


وفي ما يتعلق بمسوغات الكتابة تحدث بقوله: كان لنادي النويدرات الرياضي والثقافي فترة السبعينيات العديد من الندوات والمحاضرات، وعرض المسرحيات التي كان ممثلو هذه المسرحيات أعضاء في النادي، مثل بطي حسين، حسن عبدالإله، المرحوم جعفر دهيم، حسن الصميخ، منصور سرحان، فيصل حسين وآخرين، بالإضافة إلى التعاون مع شركة بابكو لعرض بعض الأفلام الصحية والتثقيفية والاجتماعية.
وكان شغفي بالمحاولة لم ينته، ففي الوقت الذي كنت أكتب بعض المحاولات في المقال الاجتماعي حاولت كتابة الشعر ولكنني فشلت، وجربت كتابة القصة ففشلت، غير أن كتابة المقال لم يتوقف لدي، إذ دخلت في محاولات اتجاه المقال النقدي الانطباعي، وكلما كتبت مقالاً أرسلته إلى بريد القراء في جريدة “أخبار الخليج»، إلا أن دراستي العليا غيرت طبيعة تناولي وطريقة طرحي وعلاقتي بالكلمة والكتابة، إذ أول مقال نشرته كان عن المجموعة القصصية “البياض» للصديق الروائي فريد رمضان، ثم تبعتها بمقال من حلقتين عن المجموعة القصصية “رأس العروسة» لمحمد عبدالملك، ونشر المقالان في الملحق الثقافي في جريدة “أخبار الخليج»، والفضل يعود في النشر إلى المرحوم الروائي عبدالله خليفة.
بعد هذه التجربة بدأت الكتابة تأخذ أفقًا واتساعًا، خاصة في سياق الكتابة وأنا في أسرة الأدباء والكتاب، حيث باتت أكثر رحابة وتمكنًا، ومن خلال هذا المشوار الذي قارب أكثر من ربع قرن من الزمان فإنني نشرت بالإضافة إلى ملحق أخبار الخليج، وفي ملحق رؤى في جريدة “الأيام» بدعوة من الصديق الكاتب حسام أبو أصبع، ثم الآن بدعوة من الصديق علي القميش، وساهمت ببعض المقالات في جريدة “الوسط»، و»الميثاق»، كما نشرت في جريدة “الوطن» بدعوة من المرحوم محمد البنكي، ولدي مساهمات في مجلة “البحرين» الثقافية و»عمّان» الثقافية، و»العربي» الكويتية، و»بيت السرد» بالشارقة، ومجلة “ضاد» باتحاد كتاب مصر، ومجلة “علامات في النقد» بنادي جدة الثقافي.


الرؤية والكتابة


وتطرق إلى رؤيته النقدية التي تشكلت فقال: سبق التفكير في الكتابة شعور دفين بأهمية القراءة التي تعني بالنسبة لي الحالة الدائمة مع ديمومة الحياة، والفاعلة في تشكل خواص الفرد واتجاهاته، وهي التي تسقي بجداولها الأرض اليباب لكي تنبت العشب والأزهار، وتترك أثرها الذي ليس له حدود في تكون الاتجاه وتحديد الأفكار، هكذا آمنت بأهمية القراءة باختلاف أنواعها، قراءة التسلية وقراءة السرعة وقراءة التأمل وقراءة السؤال والقراءة الناقدة.. تعلمت من القراءة أن النقد ليس الكتابة ضد أو مع، وأوضحت لي أن قراءة نص ما لا يعني أن تؤمن به أو بما طرح من أفكار ورؤى.. وكشفت لي أنه كلما مارست فعل القراءة ضاقت بك السبل وبدأت التعرجات تبرز في طريق الطرح والسؤال .. وبينت لي أنها أي القراءة تؤمن بقانون التطور والاختلاف، لأنها بنيت على هذا الأساس.
هكذا جاءت الكتابة بعد ركام من القراءة واحتضان الكتاب الورقي قبل الرقمي، جاءت لتصيغني ذهنيًا وأصيغها طرحًا وتداولاً . حضرت الكتابة لي ضيفة فأصبحت صديقة ثم خليلة ثم بتنا روحًا واحدة تمدني بالقوة التي تأخذها من القراءة وأمدها بما أؤمن به من أهمية الكتابة تجاه العالم والحياة، طالبة وبقسوة أن تكون القراءة أكثر من الكتابة لهذا آمنت فعلا أن أقرأ كثيرًا وأكتب قليلاً، وهذا لا يعني التجريب فهناك فرق بين الكتابة المسؤولة والكتابة التجريبية التي يمارسها الكاتب بشكل يومي. الكتابة حالة تكمن في المابين، بين الظهور والاختفاء، بين الرغبة الجانحة نحو الإقدام، والرغبة في الانكفاء، الكتابة هي حالة المرء الذي يعيش الحياة مرتين، يعيشها بوصفه كانئًا بشريًا طبيعيًا، وبوصفه كاتبًا يحمل هم الكتابة والآخر، يعيش الحياة بكل تناقضاتها وتقلباتها وتجلياتها، الكتابة هي الحياة في كلاسيكيتها ورومانسيتها وواقعيتها، الكتابة هي الواقع المعيش والمتخيل، هي السعادة التي يطمح إليها كل إنسان تواق للمعرفة، وفي الوقت نفسه الكتابة هي طريق وعر معبد بالأشواك والأزهار في وقت واحد، الكتابة عالم غريب وجميل.
قرأت في المدارس النقدية القديمة والحديثة، وحاولت أن أجرب ما استطعت فهمه من أدوات ومصطلحات ومفاهيم على ما أكتبه قدر الإمكان، وأحببت كثيرًا الاشتغال على التأويل الذي يفرض قراءة واعية ناقدة تجاه الكثير من الأبعاد المرتبطة بحالة القراءة والكتابة، وبالعناصر المعنية بالنص والكاتب والمتلقي، وبحالة المجتمع وحوار المدلولات، وبطبيعة المجتمعات وتكون محيطها الاجتماعي والثقافي، وطرح الأسئلة المتعددة، ونسج العلاقة بين القارئ وتأويله من جهة، والنص ومدلولاته من جهة ثانية، فلم تعد الكتابة مجرد رغبة وانطلاق، بل هي فن له تقنياته، فالكتابة ليست إيحاء. فالتخطيط والمتابعة عتبات مهمة في حالة الكتابة، وهذا ما يحوّل الكتابة من كتابة عادية إلى كتابة مثقلة، بالأخص الكتابة التي لها منهاج يستحضره الكاتب، الأمر الذي جعلني أنظر إلى أي نص أمامي ومعي ما يمكنني من استنطاقه قدر المستطاع، وفق مرجعية نظرية وإجرائية لكي أحاول فهم التحولات في مجال الكتابة النقدية والعلاقة ذات الخصوصية بالحركة الأدبية والثقافية التي أشتغل في محيطها.


منى الشمري



قدم شهادة شخصية كأحد المبدعين البحرينيين… فهد حسين في تجربة «الكتابة الناقصة» ونرجسية الكاتب

شبكة نبض اونلاين
www.nabdon.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق