
لندن ـ “القدس العربي»: تواجه الولايات المتحدة معضلة في سوريا تتعلق بدور النظام السوري لبشار الأسد في الهجمات على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش».
فرغم استبعاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما أي دور للأسد وعدم استفادته من الغارات، إلا أن النظام نفسه يعمل على تقديم صورة وكأنه جزء من الحملة وأن الولايات المتحدة تقاتل في الخندق نفسه، الذي تقاتل فيه سوريا.
وتشير تصرفات النظام السوري وتصريحاته الى محاولة تجيير الضربات على المتشددين الإسلاميين لصالحه. فكما تقول إريكا سولومون في تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز» البريطانية “في دعاية الحرب، تحاول حكومة الأسد الإنتصار، رغم تأكيد المسؤولين الأمريكيين أنهم لا يساعدون الاسد، لكن الصحف السورية في دمشق تقدم قصة أخرى، فحسب “الوطن» المقربة من النظام “تقف واشنطن وحلفاؤها في الخندق نفسه، الذي يقف فيه الجيش السوري».
وتضيف الصحيفة أن الولايات المتحدة، وإن عبرت عن دعمها لحلفائها من المعارضة السورية، إلا أن الغارات قد لا تعمل لصالحها.
مشيرة للتغير في موقف النظام في دمشق، الذي هدد قبل أسبوع بالرد على أي خرق للسيادة على أراضيه، ولكن التلفزيون الرسمي عاد وخلال ساعات من الغارات هذا الإسبوع وقال إن الحكومة السورية تلقت تبليغا بالهجمات عبر المبعوث الدولي إلى سوريا، كما حصلت على بيان من وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أرسل أولا لوزير الخارجية العراقي. وأشارت صحيفة “نيويورك تايمز» إلى تصريحات حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي الجديد أنه مرر رسالة للرئيس الأسد، نيابة عن واشنطن، مؤكدا له أنه ليس هدفا للغارات.
دمشق راضية
وتنقل صحيفة “فايننشال تايمز» عن محلل لبناني وهو يونس عودة وصفه للمسؤولين السوريين» بأنهم شعروا بالرضى، لأنه جرى إعلامهم، وهم الآن يستفيدون منها ـ الهجمات ـ ولهذا لا يعارضونها».
ويضيف أن النظام السوري يحاول إعلام المواطنين السوريين أن الولايات المتحدة توصلت للنتيجة نفسها، التي توصلت إليها الحكومة حول خطر المتشددين.
وفي الوقت الذي تنفي فيه واشنطن قيامها بإعلام النظام لتحذير القوات السورية ببدء الغارات وعدم اعتراض الطائرات الأمريكية، إلا أن المعارضة السورية، التي لم تخبر بالهجمات مقدما تعتبر الرسالة الأمريكية للأسد مضرة بقضيتها.
وبحسب إميل هوكايم، من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، فقد فشلت الولايات المتحدة بالإتصال مع المعارضة السورية والتأكد أنها مشمولة في العملية “لا أعتقد أن الغرض من الغارات كان منفعة الأسد، لكن هذا ما يحدث على ما يبدو، وفي هذه اللعبة فالإنطباع مهم»، مضيفا أن “الفكرة هنا كانت خلق جو من التحشيد ضد داعش وهو ما لم يحدث».
ولا يبدو والحالة هذه استفادة وتقوية المعارضة السورية المسلحة التي تلقت دعما عسكريا وماليا من الغرب في الماضي من الغارات الأخيرة. بل وقامت بعضها مثل حركة “حزم» التي تعتبر من أهم الجماعات المستفيدة من الدعم الأمريكي بإصدار بيان شجبت فيه الغارات.
وبحسب المتحدث باسم الحركة أحمد أبو عماد “تساعد غارات الحلفاء النظام الذي يعتبر أصل المشكلة، وما يحتاجه الشعب السوري هو دعم حقيقي من التحالف حتى يكون بإمكانه مواجهة داعش والنظام».
وكانت المعارضة تأمل بأن جهودها لمواجهة داعش كافية لإقناع الداعمين الغربيين المترددين وتزويدهم بأسلحة متقدمة. وفي الوقت الذي صادق فيه الكونغرس على حزمة من المساعدات التدريب للمعارضة السورية بقيمة 500 مليون دولار إلا أن الخطة تحتاج لأشهر كي تثمر نتائج.
وفي الوقت نفسه يشعر مقاتلو المعارضة بالغضب لأن الولايات استهدفت “جبهة النصرة»، التنظيم الموالي لـ»القاعدة»، والتي قاتل أفرادها إلى جانب مقاتلي الفصائل الأخرى. وسيجد حتى أعداء “النصرة» صعوبة في الوقوف مع أمريكا لأنها تريد تدمير هذا التنظيم.
تعاون غير مباشر
ولم يظهر حتى الآن أي تغير في ميزان القوة على الأرض، والذي يصب في صالح الأسد. ولكن غارات الحلفاء على مناطق شرق وشمال سوريا حدت من قدرة الأسد على شن هجمات جوية. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان في لندن، فغارات النظام في هذه المناطق تراجعت بنسبة 90 %.
ورغم تأكيد الولايات المتحدة وحلفائها على أنه لا توجد فرصة للتعاون المباشر مع الأسد لكن مراقبين يقولون إن هناك إشارات عن تعاون غير مباشر مع سوريا عبر العراق.
ويقول سوريون على علاقة مع النظام إن الولايات المتحدة مررت معلومات التقطتها طائرات بدون طيار عن المناطق التي يسيطر عليها “داعش» إلى بغداد التي مررتها بدورها للأسد.
وأشار المحلل السياسي عودة والقريب من الحكومة السورية إلى زيارات اسبوعية قامت بها وفود حكومية عراقية إلى دمشق. وفي اليوم الأول للغارات التقى فالح فياض، مستشار الأمن القومي العراقي مع الرئيس السوري.
وتقارير مثل هذه تؤثر على طبيعة دعم المعارضة السورية لها. وليس كل مؤيدي النظام راضين عن تعاونه مع أمريكا، حيث يخشون من استهداف الأسد بعد التخلص من “داعش». وبحسب مسؤول في الحكومة “هناك مظاهر وحقائق» و»لكنهم ـ الحكومة – قلقة».
النظام السوري استعادة 49 قرية شمال- شرق سوريا
وفي الوضع الحالي سمحت الغارات للنظام السوري استعادة 49 قرية في شمال- شرق سوريا، كما حقق الجيش السوري، بحسب صحيفة “التايمز» تقدما في مناطق قرب العاصمة دمشق. فقد أجبر المقاتلين على الخروج من بلدة “عدرا» الصناعية.
ويتهم أفراد في المعارضة السورية أمريكا أنها لا تفهم التداعيات غير المقصودة للغارات والتي استفاد منها النظام.
وقال التلفزيون السوري إن الجيش تقدم في مدينة الحسكة مدعوما بالطائرات السورية ـ لكن قادة المعارضة يرون أن سيطرة النظام على مناطق جديدة كان بسبب الغارات الأمريكية. ونقلت الصحيفة عن المتحدث باسم “الجبهة الإسلامية» عبد الرحمن صالح قوله “تتقدم قوات النظام في محافظة الحسكة، شكرا للغارات الأمريكية، حيث يقوم النظام بارتكاب مجازر ضد السكان هناك»، وأضاف “نعتقد أنها- الغارات- مساعدة لنظام الأسد».
وقالت الصحيفة إن استعادة القرى تم عبر تحالف غير مريح للقوات السورية مع القوات الكردية ضد داعش.
وأشار التقرير لغضب سوريين على استهداف جبهة النصرة، التي قاتلت النظام في عدرا، حيث خرجت تظاهرات في حمص تشجب استهداف الأمريكيين للجبهة. وصرخ أحد المتظاهرين “نتوقع حدوث هذا واستهداف الصليبيين للسنة».
وتساءل الكثيرون عن سبب تردد الولايات المتحدة بضرب النظام “كنا نتوقع منهم المجيء لإنقاذنا عندما كان الأسد يقتلنا ويقتل أطفالنا».
وحذر نصر الحريري من الإتئلاف الوطني السوري من “إمكانية تفسير الغارات على أنها محاولة لإعادة تأهيل نظام الأسد، مما سيدفع السوريين لحمل السلاح».
ثقة بالنفس
وتشي مواقف السوريين بفشل محاولة الإدارة موازنة استهدافها ل “داعش» بعدم منفعة النظام، فقد نقلت صحيفة “نيويورك تايمز»، حيث موقف دبلوماسي سوري ردد ما ورد في الصحيفة السورية عن تلاقي المصالح السورية والأمريكية في الحرب على الإرهاب.
وتقول الصحيفة إن تصريحات قادة دمشق المعبرة عن ثقة بالنفس تظهر الصعوبة التي تواجهها إدارة أوباما في سياستها لملاحقة الإرهابيين بدون أن تنجر للحرب الأهلية المندلعة في البلاد منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
وبالتأكيد كما تقول الصحيفة فقد قدمت الولايات المتحدة غطاء سياسيا للرئيس السوري في ضوء الغضب المتزايد الذي يتعرض له داخل معسكره، بسبب فشله في وقف تقدم الجهاديين.
وبالسياق نفسه تواجه واشنطن ضغوطا من حلفائها في الخليج، الذين طالبوها بالتدخل في سوريا والمساعدة بإنهاء حكم الأسد، ولكنها ترددت.
وفي مقابلة مع الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر مع الصحيفة قال “نريد بناء جيش لقتال الإرهابيين، ولكن يجب قتال النظام»، مضيفا “علينا فعل الأمرين».
وتشير الصحيفة إلى مصاعب التدخل الأمريكي كونه يدخل في حرب تحولت بالضرورة لحرب بالوكالة بين إيران وروسيا من جهة والسعودية وحلفائها من جهة أخرى.
وما دفع أوباما للدخول في الحرب السورية هو صعود داعش، حيث دخل المعترك عبر تحالف دولي.
وبحسب الصحيفة “لم تدعم الولايات المتحدة طرفا في الحرب الأهلية، أو على الأقل لم تنو هذا، ولكن وفي اللحظة التي دخلت فيها الحرب فإنها خاضت في الوحل السوري خاصة وفي منطقة الشرق الأوسط، كما يقول المحللون».
فعندما ضربت جبهة النصرة احتج عدد من المقاتلين باعتبار النصرة فصيلا سوريا.
وأصدر بعضهم بيانات شجب للعملية العسكرية الأمريكية. فتركيز إدارة أوباما على داعش يعني أنها لم تعد مهتمة بمصير الأسد.
وفي المقابل اعتبر مؤيدو النظام أن ضرب النصرة يعني تلاقيا في المصالح. ونقلت عن صحافي مؤيد للنظام “طبعا هناك تنسيق»، مضيفا “فكيف إذا تفسر ضرب النصرة؟». ورغم كل هذا فخطوط المعركة ليست بهذه الصورة، كما تراها المعارضة والموالون للنظام، حيث يحاول كل طرف تدوير العملية لصالحه.
وتعتقد الصحيفة أن حقيقة مشاركة الدول العربية وتفاخرها على الطريقة الهوليوودية بمشاركة طياريها في الغارات يعني أملها في نقل المعركة لاحقا ضد الأسد.
وتنقل عن هوكايم قوله “وافقت دول الخليج الرئيسية على الطلب الأمريكي في محاولة منها لتغيير السياسة الامريكية في سوريا بعد سنوات من الإحباط»، “فلو قالت لا للأمريكيين لما كان هناك أمل في حرف السياسة حول سوريا».
ويرى الشركاء العرب أن الولايات المتحدة تعتمد مرة أخرى على دعم الدول ذات الحكم المطلق والإستبدادي في المنطقة.
فانهيار الربيع العربي وصعود الدولة الإسلامية أعاد أمريكا لسياستها التقليدية في دعم هذه الأنظمة بدلا من حركات التغيير الشعبية. فبحسب سلمان شيخ، من معهد بروكينغز الدوحة فهناك اعتراف من واشنطن أن هذه الدول “هم اصدقاؤها وحلفاؤنا بالمنطقة في هذه الحرب»، حيث تعتبر الدول الخمس، التي شاركت في الغارات من الملكيات الوراثية، ومعظمها لعب بطريقة أو بأخرى دورا بإنهاء الربيع العربي ودعم أطرافه.
ويرى نيكولاس ماكيغهان من “هيومان رايتس ووتش» أن “هذه الدول لديها سجل إشكالي في مجال حقوق الإنسان» و “تعاونها معا ضد عدو مشترك مفهوم، وستكون هناك تداعيات على حقوق الإنسان في هذه البلدان».
عودة للحرب
وبعيدا عن مواقف الأطراف المحلية والإقليمية من الغارات فدخول واشنطن في المعمعة السورية، حسب مجلة “إيكونوميست» عمل ضروري للقضاء على تنظيم داعش، فمنع الأخير من إنشاء خلافة يعني منع تحول البلدين ـ العراق وسوريا- إلى ملجأ آمن.
وأبعد من هذا ترى في محاولة أوباما التصدي لداعش التزاما أمريكيا بالأمن الدولي، وهو امتحان فشل أوباما الوفاء به. مما أعطى حسا بتراجع أمريكا لتدور حول نفسها، ومما عزز هذا الشعور أزمة اقتصادية كانت تمر بها.
ووجدت أمريكا نفسها في مواجهة عالم فوضوي لم تعد قادرة على التصدي له ومكون من قوى ترفض النظام، مثل تنظيم داعش، الذي أهان حكومتي العراق وسوريا وراكم ثروة مالية وعسكرية وجذب إليه جنودا جددا.
وترى المجلة أن صعود داعش يعكس فشل السياسة الخارجية الأمريكية التي بدأت بغزو العراق الذي لم يخطط له جورج بوش بشكل جيد، وبتردد أوباما وعدم تدخله في سوريا عام 2011 حيث وقف الرئيس متفرجا على أمل ان تحل الأمور بشكل سريع، ولم يتحرك الرئيس حتى عندما اجتاز الأسد “الخط الأحمر» واستخدم السلاح الكيماوي.
وبسبب قلة الدعم الخارجي للمعارضة المعتدلة فقد تشرذمت وتفككت مما فتح الباب أمام جماعات مثل الدولة الإسلامية.
وتشير المجلة أيضا لتراجع السياسة الأمريكية في مناطق اخرى قررت واشنطن التخلي عنها وهو ما دفع حلفاءها للوقوف جانبا، وتعتبر أوكرانيا مثالا على هذا.
وتعتقد المجلة ان صعود داعش وسيطرته على الموصل ثم ذبحه الصحافيين الأمريكيين غير مواقف الرأي العام الأمريكي، الذي بدأ يطالب بتحرك ومن ثم فلدى أوباما فرصة ليس لتوجيه ضربة وإعادة النظام في الشرق الأوسط، ولكن كي يتخلص من فكرة التراجع.
وتحذر المجلة مع ذلك من تكرار درس العراق. فقد استطاعت الولايات المتحدة في ستة أسابيع من هزيمة الجيش العراقي وتعداده 375 ألف جندي، وخسرت فقط 138 جنديا لكن هذه الإنجازات تبخرت فيما بعد.
والسؤال هنا إن كان أوباما قادرا على موازاة العمل العسكري بفعل دبلوماسي، فدروس العراق وأفغانستان علمتنا أن القوة الجوية الضاربة لا تكفي لتحقيق النصر.
ففي حالة اكتشف العرب السنة أن الولايات المتحدة ليست سوى قوة لدعم الحكومة الشيعية في بغداد فستزيد رابطتهم بداعش. وترى المجلة والحالة هذه أن أوباما بحاجة لتحالفات وشركاء إن أراد النجاح في سوريا والعراق.
وعليه النجاح على الصعيد الدبلوماسي لتدمير داعش، مشيرة لنجاحه بالدفع لتشكيل حكومة جديدة في العراق وتنحية نوري المالكي، وإرساله كيري للمنطقة كي يقنع الدول العربية المشاركة في التحالف، وإقناعه الأمم المتحدة بقانونية تدخله في سوريا. ولكن المهمة لم تنته، فالتحالف ليس كاملا بدون تركيا.
وفوق كل هذا يحتاج أوباما للحفاظ على التحالف. وحتى لو نجح بتدمير داعش فقد يبرز من ركامهم رعب جديد إن لم يحضر أوباما لاعبين جددا لملء الفراغ الذي سيخلفه داعش. وتؤكد في النهاية على حق أوباما في شن حرب جديدة، لكن المهم هو مواصلته الحرب حتى اكتمالها.
إبراهيم درويش
حيدر العبادي أبلغ الأسد أنه ليس المستهدف… ووفود بغداد لدمشق لم تتوقف
شبكة نبض اونلاين
www.nabdon.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق